السبت، 31 أكتوبر 2015

 الاستاذ الدكتور محمد صادق المشاط  ا.د.ابراهيم خليل العلاف




















 الاستاذ الدكتور محمد صادق المشاط 
ا.د.ابراهيم خليل العلاف
استاذ متمرس -جامعة الموصل 
علمتُ من الصديق العزيز الاستاذ الدكتور أحمد عبد الله الحسو بأن الاستاذ الدكتور محمد صادق المشاط رئيس جامعة الموصل الاسبق قد توفي يوم 19 ايلول -سبتمبر سنة 2015 في مدينة فانكوفا عند ولده قاسم في كندا إثر مرض عضال لم يمهله طويلا .
ومع اني عملت مع الدكتور المشاط حين كان رئيسا لجامعة الموصل في السبعينات من القرن الماضي ولي معه تجربتان لاانساهما الا انه كان بودي لو لم يصدر كتابه الموسوم :" كنت سفيرا للعراق في واشنطن " الذي اثار كثيرا من الجدل ووضع الكثير من علامات الاستفهام حول جانب من تاريخ الدكتور المشاط فالكتاب لم يكن دقيقا ولم يتمتع بالموضوعية والمبدأية التي كانت مطلوبة من رجل ربط تاريخه بنظام الحكم الذي كان موجودا في العراق منذ سنة 1968 . 
على كل حال الكتاب صدر واثار نقدا وهجوما بقدر ما اثار اعجابا من آخرين ونترك ذلك للتاريخ فهو من يحكم والاستاذ الدكتور محمد صادق المشاط من عائلة عراقية معروفة في الكاظمية والنجف وكربلاء .
وقد لايعرف الكثيرون انه خريج كلية الحقوق ببغداد ، ويحمل شهادة الماجستير في علم الإجرام (Criminology) من جامعة كاليفورنيا/أمريكا، وشهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة مريلاند/أمريكا.
تدرج الاستاذ الدكتور المشاط في السلم الوظيفي وحسب مراحل تحصيله العلمي، ابتداءً من مدير البعثات العام، و أستاذ جامعي، ووكيل وزارة ، ورئيساً لجامعة الموصل لفترة إمتدت من 1970 وحتى سنة 1977 ووزيرا للتعليم العالي والبحث العلمي في وزارة الرئيس العراقي احمد حسن البكر التي تشكلت في حزيران سنة 1977 ثم سفيراً لخمسة عشر سنة ممثلاً لبلاده في أهم عواصم الدول الغربية مثل، باريس مرتين، وفيينا، ولندن، وأخيراً، وفي أحلك ظرف مر به العراق في واشنطن ابان اجتياح العراق للكويت في 2آب سنة 1990 وقد استقال سنة 1991 متذرعا بمرضه وبرغبته بالعيش مع ولده من زوجته ابنة الدكتور عبد الوهاب حديد أول عميد لكلية الطب الاسبق -جامعة الموصل في كندا ..
انا شخصيا اعتبر الدكتور المشاط المؤسس الثاني لجامعة الموصل ففي عهدة تركزت الاسس الادارية والتنظيمية والقانونية والمالية والعلمية لجامعة الموصل فقد اعطى لها هيبة ومكانة بين جامعات العالم لاتزال تتمتع بها وخاصة من حيث الرصانة العلمية والجدية والحيوية والقدرة على خدمة بيئة توطنها . اصدر مجلة "الجامعة " لتكون مجلة ثقافية وصوتا للابداع في الموصل واختار لها هيئات للتحرير متميزة واسس دار الكتب للطباعة والنشر وفي عهده كانت اكبر مطبعة في الشرق الاوسط وجلب لها احدث المكائن والكوادر الفنية والطباعية وطلب من كل كلية ان تكون لها مجلتها الاكاديمية واسس متحف الفنون التشكيلية واهتم بالتنقيبات الاثرية وكان حريصا على ان تدار الجامعة من خلال افضل الكفاءات التدريسية والعلمية ودون اي اعتبار آخر ..جعل للجامعة مركزا ثقافيا واجتماعيا عمل بأنظمة حديثة وكان مكانا للندوات والمؤتمرات والسمنارات العلمية وبنى بجانبه موتيلات لسكنى ضيوف الجامعة على احسن طراز ونظام . اهتم بالمكتبة المركزية للجامعة وبمكتبات الكليات وزودها بأحدث الاصدارات من مراجع وكتب ومجلات وصحف واختار لادارتها افضل المختصين .كما اهتم بالرياضة الجامعية وانشأ ملعب جامعة الموصل واسس الفرق الرياضية الجامعية وكنا نراه وهو يلعب التنس عصرا مع اصدقاءه من الاساتذة .واتذكر فيما يتعلق بي انه اختارني شخصيا لاكون من اعضاء الوفد الذي سيذهب الى بغداد لوضع مناهج اقسام التاريخ .. كما انه امتدحني عندما كنت عضوا في لجنة شكلها لمواجهة احد التدريسيين مع الطلبة الذين قدموا الشكوى ضده وكنت قد كتبت محضر المواجهة في قاعة كلية الاداب وقال هذا الذي كتب التقرير رجل منصف وموضوعي .وعندما كان وزيرا للتعليم العالي والبحث العلمي طور الوزارة من النواحي الادارية والمالية .
يبدو ان العمل الاداري والجامعي والوزاري لم يفسح المجال للاستاذ الدكتور محمد صادق المشاط لان يقدم الكثير في مجال التأليف ولست اذكر من تألبفه الا كتاب "علم الاجتماع " الذي الفه مع الدكتور حاتم الكعبي وكان كتابا مدرسيا (الصف الخامس الاعدادي الفرع الادبي ) لكنه كان كتابا قيما سبق لي ان قرأته . كما كانت لديه مقالات ودراسات منشورة .
كان الدكتور محمد صادق المشاط رجلا علميا اكاديميا متميزا واداريا منظما من الطراز الاول عنده القدرة على انتقاء القيادات الادارية والعلمية بغض النظر عن انتماءاتها المختلفة وكان يطمح الى الرقي بمستوى التعليم الجامعي والبحث العلمي في العراق الى مستويات دولية .كان يؤكد على العمل الجاد والانضباط وتوعية الطلبة وتحفيزهم لخدمة بلدهم خدمة جلى .
رحم الله الدكتور المشاط وجزاه خيرا وغفر له .

نواب الموصل في مجلس المبعوثان لسنة 1914 * ا.د. ابراهيم خليل العلاف





نواب الموصل في مجلس المبعوثان لسنة 1914 *
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ متمرس –جامعة الموصل
أجرى الأتحاديون انتخابات جديدة لمجلس المبعوثان فأعلنت نتائجها في 4 كانون الثاني1914.وقد مارس الأتحاديون فيها أساليب مختلفة من الضغط فأرسلوا (29) ضابطاً إلى سائر أنحاء العراق ليضمنوا إجـراء الانتخابات لصالحهم ، ففي ولايـة الموصل فاز عـدد من الأشخاص معظمهم من المبعوثين السابقين ، وقد عمد الأتحاديون إلى ترشيح مبعوث تركي عن لواء الموصل ألا وهـو ابراهيم فـوزي البتليسي ( قومنـدان الجندرمة في الموصل ) ، وفيما يلي أسماء نواب الموصل :
عن لواء الموصل : صالح السعدي ، محمد علي فاضل ، ابراهيم فوزي 
البتليسي ، داؤد يوسفاني .
عن لواء كركوك : محمد علي قيردار ، ناظم نفطجي ، عبد الله صافي .
عن لواء السليمانية : حكمت بابان ، الحاج ملا سعيد .
لقد جاءت نسبة تمثيل ولاية الموصل منسجمة مع عدد نفوس الولاية ، 
جرى افتتاح مجلس المبعوثان في 14 آيار 1914 . وقد تركزت مناقشات مبعوثي ولاية الموصل على إثارة بعض القضايا المتعلقة بالأمور الأقتصادية والتعليمية والأجتماعية . وفيما يلي بعض هذه المواقف .
1 ـ رفع ناظم نفطجي مبعوث كركوك تقريراً في جلسة 19 تموز 1914 
حول مشروع إرواء أراضي الحويجة في كركوك وحفر ترعة باسم 
( ترعة الرشادية ) تتفرع من الزاب الكبير . وجاء في تقريره أنّ 
مبعوثي كركوك تقدموا سنة 1908 بتقرير بيّنوا فيه وجـود آثار قناة 
تاريخية من القرون الوسطى في منطقة الحويجة وأنّ إحياء المشروع 
هذا سيعود بفائدة عظيمة للمنطقة . وقد أخذت الحكومة هـذا التقرير 
بنظر الاعتبار وأوفـدت شخصاً يدعى حسني أفنـدي إلى المنطقة ، 
ولكن مما يؤسـف له أن هـذا الشخص قـدّم كشوفات هي أقـرب 
ما تكون إلى وصف رحلة سياحية . ثم أرسـلت لجنة أخرى برئاسة 
شخص آخر يدعى خرستو وكانت هذه اللجنة جاهلة بالأمـور الفنية 
تماماً، فبعد أن تجولت في المنطقة مدة 6 أشهر على غير هدى عادت 
إلى الأستانة خالية الوفاض . وقد علمت الحكومة بعـد مرور سنة 
ونصف بأن تلك اللجنة قد أضرّت بالخزينة بمبلغ(14000)ليرة وعلى 
أثرها أرسلت لجنة فنية لدراسة الموضوع وجاء تقريرها بما يثبت أنّ 
الكشـوفات المقدمة من قبل لجنة خرستو كانت غير قانونية. 
وقد طالب ناظم نفطجي بضرورة تعيين مهندسـين مختصين لتحقيق 
هـذا المشروع ومحاسبة المسـؤولين عن التقصير والإهمال المتعمد 
وتغريمهم المبالغ التي صُرفت على المشروع هباء .
2 ـ رفع مبعوث الموصل صالح السعدي في جلسـة 2 حزيران 1945 
تقريراً إلى مجلس المبعوثان أثناء مناقشة لائحة ( تشجيع الصناعة ) 
جاء فيه : " أنّ لائحة تشجيع الصناعة الموزعة لبيان المطالعة لإبداء 
المساعدات والإعفاءات هي آراء صائبة . إلاّ أنّ غالبية شعبنا يفتقدون 
روح المغامرة في الاشتغال بأعمال غير مجربة . لهـذا أرى أن تتبع 
الحكومة سياسة إلزامية في تعميم وتقدم الصناعة كما هو مسلم به في 
ضرورة التعليـم الإلزامي ، فمثلاً تشـير الحكومة إلى الأغنياء في 
المدينة لتأسيس شركة صناعية فيما بينهم وتمهلهم لمدة سـنة ، وفي 
حالة عدم قيام الشركة خلال المـدة المذكورة يقرر المجلـس البلدي 
تأسيس الشـركة وتعيين الأشـخاص المساهمين بذلـك والمبالغ التي 
يسـاهمون بها " ، ولم يقبـل التقرير هذا لعـدم حصوله على 
الأكثرية .
3 ـ ساهم نواب ولاية الموصل حوالي (80) نائباً آخرين في رفـع تقرير 
إلى المجلس وذلك في جلسـة 2 حزيران 1914 طالبـوا فيه إلزام 
الدوائر الحكومية بشراء ما تحتاجه من المصنوعات الوطنية وتغريم 
الموظفين الذين لا يلتزمون بذلك.
4 ـ اعترض مبعوث كركوك ناظم نفطجي على قانون الاستملاك .
لقـد أخذت أنبـاء الحرب العالمية الأولـى تطغى على أخبار مجلس المبعوثان ، فأصدر السلطان محمد الخامس إرادة سلطانية في آب 1914 تقضي بتعطيل المجلس نظراً لظروف الحرب .
************************************************************
* من رسالة الماجستير التي قدمها الدكتور ابراهيم خليل العلاف الى مجلس كلية الاداب –جامعة بغداد سنة 1975 بعنوان :" ولاية الموصل :دراسة في تطوراتها السياسية 1908-1922 " بإشراف الاستاذ الدكتور عبد القادر أحمد اليوسف وهي غير منشورة .. الصفحات 78-81

حزب الحرية والائتلاف وانتخابات سنة 1912 في الموصل * ا.د. ابراهيم خليل العلاف

حزب الحرية والائتلاف وانتخابات سنة 1912  في الموصل *
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ متمرس –جامعة الموصل

          أدّت الاندحارات العثمانية في طرابلـس الغرب إلى ازدياد المعارضة في مجلس المبعوثان لوزارة حقي باشا فأدّت إلى إسقاطها ، ولم تكتفِ المعارضة بذلك بل عمدت إلى تكوين حزب جديد عرف بأسم ( حزب الحرية والائتلاف ) في 8 تشرين الثاني 1911 والذي ضمَِّ عناصر الحـزب الحر المعتدل وجماعـة من الأتحاديين المنشـقين عن جمعية الاتحاد والترقي . وقد سـاهم مبعوث الموصل داؤد يوسـفاني في تشكيل هذا الحزب ، إذ كان ضمن أعضائه المؤسسين . كما أصبح أحد أعضاء أول هيئة ادارية برلمانية للحزب الجديد ([i]) . وقد اعتمـد الحزب على بعض الصحف في ترويج أفكاره ومبادئه فكانت جريدة ( تنظيمات ) ومديرها المسـؤول داؤد يوسفاني احدى هذه الصحف ([ii]) .

     ضمَّ الحزب الجديد مجموعة العناصر المختلفة تجمعهم فكرة معارضة جمعية الأتحاد والترقي والإيمان باللامركزبة . وقد كان لخبر تأسيسه صدى واسع خارج وداخل مجلس المبعوثان فكتبت إحدى الصحف تقول : " ... بأن في انضمام كل الأحزاب المعارضة في حزب واحـد ما يبشر بدخول الحياة الجديدة إلى مجلس المبعوثان وقرب تغيير السياسـة التي جرت عليها الدولة ثلاث سنوات متوالية دون أن يؤثر عليها حزب معارض أو يستطيع تحوير شئ منها ، لأنها كانت سائرة بمنطق القوة تحت أسم الدستور والأمة لا تعلم مما يجري سوى سطحيات لا يلبث تأثيرها أن يزول من الأذهان " ([iii]) .
    لقد تألف في الموصل فرع لحزب الحرية والائتلاف وذلك في أواخر سنة 1911 . إذ قدّم البعض من أعضاء جمعية الاتحاد والترقي استقالاتهم انضموا إليه . ومن هؤلاء رشيد العمري ([iv]) ، محمد شريف الفاروقي الذي ثابر على تأييد الحزب  الجديد وتقويته وبث أفكاره بمقالات عديدة نشرها في جريدة النجاح وذلك بعد أن تبين له سوء نوايا الأتحاديين تجاه العرب ([v]) . ومن أعضاء الحزب أيضاً محمد أفندي بن ابراهيم أفندي من السادات .وكان محمد باشـا الصابونجي من أبرز أعضـاء الحزب في الموصل ([vi]) . وقد أصبحت جريدة النجاح لسان حال الحزب حين أخذت تنشر المقالات في تأييد فكرته والدعوة إلى مبادئه وتهاجم السياسة الأتحادية ([vii]) .

    نشر حزب الحرية والائتلاف برنامجه السـياسي الذي نصَّ على توسيع المأذونية وتفريق الوظائف باستثناء مسائل الدفاع الخارجي أو مسائل المنافع المشـتركة بين الولايات مع بقاء الرابطـة العثمانية وشـجب الاعتماد على الفكرة القومية والاسلامية التي من شأنها أن تفكك هذه الرابطة بين عناصر الدولة العثمانية ([viii]) .على أن تمنح الولايات استقلالً ادارياً على أساس اللامركزية ([ix]) .

     تفاقم الصراع بلين الأتحاديين والائتلافيين في مجلس المبعوثان إذ ازدادت حـدّة المعارضة لجمعية الأتحاد والترقي مما اضطر الأتحاديين إلى استصدار إرادة سلطانية لحل مجلس المبعوثان 5ي 18 كانون الثاني 1912 على أن تجري الانتخابات خلال ثلاثة أشهر من تاريخ حل المجلس ليجتمع مجلس المبعوثان الجديد ([x]) .

     اختلفت الأنتخابات التي بدأت أواخر كانون الثاني 1912 عن سابقتها . وذلك لأنّ الصراع بين جمعية الأتحاد والترقي وحزب الحرية والائتلاف كان على أشده.ففي الموصل وقف الائتلافيون وجهاً لوجه أمام الأتحاديين وأخذت الصحف تنشـر دعوات الترشيح لهـذه الانتخابات ، وكان ممن رشح لهذه الانتخابات ضد الأتحاديين محمود العمري ورشيد العمري . وقد تبنت جريدة النجاح أمر الدعوة إلى ترشيح هذين الشخصين تحت عنوان ( لأنظار أبناء الوطن الأجلاء ) ([xi]) . أما جريدة نينوى لسان حال جمعية الأتحاد والترقي فنشرت مقالاً نورد مقتطفات منه :

(( إنّ دوائر الانتخاب في عاصمة الممالك العثمانية ... ومقر ... السلطة السنية قد مالت ...إلى أن يتكون أعضاء مجلس شورى الأمة من الجمعية المعظمة وهي جمعية الأتحاد والترقي ... الجمعية التي نهضت نهضة الأسود ... فهل ينكر أحد فضل هذه الجمعية ... ؟ ... فآثار هذه الجمعية محمودة ومساعيها مشكورة وهي التي جعلت أرواحها فداء للأمم العثمانية ...فنتمنى أن تقتفي هذه الحدباء ( الموصل ) في انتخاب النوّاب أثر تلك العروس وهي عاصمة الممالك العثمانية فتكون لها أسوةً حسنةً في ذلك الاقتفاء ... )) ([xii])  

       كما تبارت الجريدتان في تحديد صفات ( المبعوث الجيّد ) فكتبت جريدة النجاح تقول :


(( ... الموصل في انحطاط عظيم وتقهقر هائل لا ينفعها ألوف من الرجال الذين لم يتدربوا على العمل ولم يعرفوا المآل ولم يحسبوا العواقب حساباً إنما ينفعها وينهض بها الرجل الحازم المقدام )) ([xiii]) .

   أما جريدة نينوى فقد نشرت مقالاً تحت عنوان ( هذه القوس فأين باريها ) جاء فيه :

(( ... إنّ من سـيكون له رأي في انتخاب مبعوث من أهل وطنه فلينظر أولاً إنْ كان من أهـل النظر والبصيرة ، إلى ترجمة حال ذلك المبعوث من أي ملّة كان وعلى أي مذهب كان ، ولينظر إلى آثـاره الخيرية ومنافعـه العمومية التي أبرزها لسكان مملكته خاصةً وللأمم العثمانية عامةً ... وينظر ثانياً ... إلى غيرته ونخوته وحميته على أهل وطنه وسكان بلدته الذين ألقوا مقاليد أمورهم وسلّموها إليه وجعلوا زمانها في يديه فإن كان محافظاً على حقوق الوطنية وكان مجتهداً في ترقيتها من الحضيض إلى ذروة الشرف المؤبد والمجد المخلد ...   )) ([xiv]) .  

  كما نشرت مقالاً آخر قالت فيه :

(( الحذر الحذر أيها الوطنيون في هذا الأنتخاب الجديد من عدم الاستبصار ... وإياكم أن تقعوا في فخاخ من يصطادكم لتكونوا ... من الأخسـرين أعمالاً الذين ضـلّ سعيهم في الحياة الدنيا ...    )) ([xv]) .  

       وجّهت جريدة النجاح نقداً قاسياً إلى بعض أهالي القرى المحيطة بالموصل لأنهم لم يدركوا قيمة الدستور ولم يستوعبوا مفهوم الانتخابات حيث كتموا أغلب نفوس " قراهم المسجلة في دفاتر النفوس خوفاً من بدل العسكرية والطريق " وأتهمتهم بقلّة التفكير وعدمن التفاني في حب الوطن ([xvi]) ، ودعت في مقال آخر إلى عـدم الضغط على آراء المنتخبين الأولين وكتبت تحت عنوان ( الأراجيف في الأقضية ) تقول :

(( أنه قد شاع في الأقضية أنّ من الأوامر القانونية وجوب كون المبعوثين بعضهم من المسلمين وبعضهم من النصارى ذلك قياسـاً على مجالـس ادارة الولايات ... نعم لو سلمنا وقوع تلك الأراجيف ... نقول لا ريب أنها مستندة لمقاصد ومآرب لا تخفى ... كيف وهـذا أمر منافٍ لاتحاد العناصر ... وعلى كل حال فإنّ هذا فكر تمجه الأسماع وتأنفه الطباع ... أنّ الأشخاص الذين خوّلهم القانون أن يكونوا منتخبين أوليين هم أحرار في آرائهم وأفكارهم ومتخيرون في انتخاب ممن اعتمدوا عليه وظهرت لديهم كفاءته منتخباً ثانوياً سواء كان ذلك الشخص من المسلمين أو النصارى )) ([xvii]) .  

       عادت جريدة نينوى لتدعو إلى انتخابي مرشحي الأتحاد والترقي فنشرت مقالاً بعنوان ( لا مبعوث إلاّ من الأتحاد ) جاء فيه :

(( ... لا يتم أمر انتخاب النواب إلاّ بأذن ينتخب أبناء الوطن من ترشح من جمعية الأتحاد والترقي التي صـالت وجالت لارتقاء الدولة والملّة إلى عرش العظمة والجلال ... وأغمدت سيف الاستبداد الذي تجرد وتحكم ظلماً وعدواناً في رقاب العالم ( الناس ) فكان يقطر دماً فالفضل كل الفضل لتلك الجمعية التي ...فدت أرواحها في سبيل الحرية المقدسة ... وجاهدت في سبيل الدستور... لا ينكر فضل هذه الجمعية إلاّ حاسد أو مكابر ... أو جاهل بالأمور السياسية ... فهل يليق في زمان هذه الحكومة الدستورية أن يكون المبعوث من غير تلك الجمعية التي زلزلت الأرض وأرجفت بهمتها ونهضتها ... ؟ )) ([xviii]) .  

      هذا وقد هاجمت جريدة نينـوى جمعية الحريـة والائتلاف ونشرت بياناً بتوقيع ( نجل حسن أفندي السيد مدني من سادات الموصل وأشرافها ) جاء فيه : 
(( إلى أهالـي الموصل المحترمين ... اعملـوا آراءكم إلى مرشحي جمعية الأتحاد والترقي التي خلّصت الوطن العثماني من مخالب الأنقراض ... كونوا أعواناً وأنصاراً لتلك الجمعية ... إنّ غلبة الفرقة المؤسسة تحت أسم ( الحرية والائتلاف ) توجب ـ لا سمح الله ـ انقسام الممالك العثمانية وأنّ الذين انضموا إلى هذه الفرقة ـ إلاّ من دخل من غير علم ـ ليسوا من المفكرين في سلامة الوطن بل هم أُناس قذفتهم الآمال الدنيئة والمطامع الشخصية ... سوّد الله وجه من سعى بتشكيلها ... )) ([xix]) .  
     احتلت مسألة نسبة عدد النواب إلى عدد سـكان الولاية مكانةً كبيرةً من اهتمام المواطنين ، فقد كتبت جريدة النجاح مقالاً جاء فيه :

(( في نتيجة إحصاء النفوس استبان أنه يجب انتخاب أربعة نواب عن لواء الموصل وثلاثة نواب عن لواء كركوك ومبعوث واحد عن السليمانية ، وعلى هذا الحساب يكون قد حصل زيادة عن الانتخاب السابق في النفوس مائة وخمسين ألف نسمة )) ([xx]) .  

     أما متصرف لواء كركوك فقد أبرق إلى والي الموصل يعلمه بأن نفوس كركوك تزيـد على ( 130000 ) ولهذا فسينتخب للواء ثلاثة مبعوثين وهم حسب الترشيح : بهاء الدين أفندي رئيس البلدية،وعبد الله صافي أحد أعضاء مجلس الإدارة ، ومحمد علي قيردار المبعوث السابق ([xxi]) .

    لقد كان من حق ولاية الموصل أن ترسل " ثمانية مبعوثين " عنها بحسب نفوسها ([xxii]) ، إلاّ أنّ الأتحاديين بذلـوا جهوداً كبيرةً لمنع انتخاب منافسيهم ، إذ صدرت الأوامر إلى الولاة والمتصرفين بوجوب الإسراع بالانتخابات لهذا فقد بُوشر بها قبل عودة بعض النـواب الذين كانوا في المجلـس المنحل إلى بلادهم . ومن هؤلاء على سبيل المثال: داؤد يوسفاني مبعوث الموصل حيث لمن يصل من الأستانة إلاّ بعد شهرين من بداية الأنتخابات ، وبهذه الوسيلة وبوسائل الضغط والإغراء والتهديد تمكنوا من إبعاد منافسيهم ([xxiii]) .

      أسفرت انتخابات سنة 1912 عن فوز الأشخاص التالية أسماؤهم :
عن لواء الموصل : محمد علي فاضل آل عبد الحافظ .
عن لواء كركوك : ناظم نفطجي ، محمد علي بن مصطفى قيردار ([xxiv]) .
عن لواء السليمانية : حكمت بابان ([xxv]) .

    بالرغم من نجاح الأتحاديين في أن تكون لهم أكثرية برلمانية ، إلاّ أنهم سرعان ما واجهوا مشاكل معقدة ، وكان كان للجمعية العسكرية التي تألفت منذ آيار ـ حزيران 1912 والتي عُرفت بأسم : ضباط الإنقاذ أو " خلاص كار ضابطان " دور كبير في إحداث تلك المشاكل ([xxvi]) . وكان معظم هؤلاء الضباط من الألبان ، وقد أعلنوا تمردهم في الرومللي ، وتركزت معارضتهم حول عدم شرعية الحكومة ومجلـس المبعوثان الجديد الذي أقحمـت جمعية الأتحـاد والترقي أعضائها فيه . فطالبوا بانتخابات حـرة ، ودعوا إلى عدم تدخل الجيش في السياسة وأوعزوا إلى محمود شـوكت باشا وزير الحربية بالاستقالة فاستجاب لدعوتهم في21 تموز1912.وتألفت وزارة ائتلافية جديدة برئاسة أحمد مختار باشا ( ثم كامل باشا من بعده ) وحل مجلس المبعوثان . وأعلنت الحكومة الجديدة عن عزمها لتطبيق مبـدأ اللامركزية ([xxvii]) .

   لم تتمكن وزارة ضباط الإنقاذ من تنفيذ برامجها ، إذ أطاح بها الأتحاديون بانقلابهم العسكري الثاني في 23 كانون الثاني 1913 بقيادة أنور باشا . حكم الأتحاديون منـذ ذلك التاريخ وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى بشعاراتهم الثلاثة المعهودة ألا وهي : المركزية والطورانية ([xxviii]) والتتريك ([xxix]) .
·   من رسالة الماجستير التي قدمها الدكتور ابراهيم خليل العلاف الى مجلس كلية الاداب –جامعة بغداد بعنوان :" ولاية الموصل :دراسة في تطوراتها السياسية 1908-1922 " بإشراف الاستاذ الدكتور عبد القادر أحمد اليوسف وهي غير منشورة الصفحات 70-77


([i])  تألفـت الهيئة الإدارية من اسماعيل حقي ( أماسيه ) رئيساً ، ومصطفى صبري
  ( توقاد ) وداغاوارسيان ( سيواس ) نواباً للرئيس ، وسعيد الحسيني ( القدس ) ،
  وزين العابدين ( قونيه ) ، وداؤد يوسفاني ( الموصل ) أعضاء .
([ii])  برو ، المصدر السابق ، ص ص 302 ـ 304 .
([iii])  جريدة صدى بابل ، 30 كانون الأول 1911 .
([iv])  ذكر حمدي جلميران في مقابلة معه في 20/9/1973 بأن رشيد العمري من
   أوائل الذين خرجوا من جمعية الأتحاد والترقي . 
([v])  من خطاب لرؤوف الغلامي في ذكرة تأبين محمد شريف الفاروقي في جريدة
  صدى الأخرار ، 1 أيلول 1931 .
([vi])  مقابلة مع حمدي جلميران وكذلك مع أحمد الصوفي .
([vii])  صدرت جريدة النجاح في 17 تشرين الثانية سنة1910، وكان صاحب امتيازها
  محمد توفيق ومديرها المسؤول أحمد مدحت ، وبعد صدور خمسة أعداد منها
  أصبح صاحبها خير الدين العمري ومديرها المسؤول عبد الله رفعت العمري .
  وكانت تصـدر مرة في الأسـبوع باللغتين العربية والتركيـة ، وقد توقفت عن
  الصدور في 25 آيار 1912 بعد أن صدر منها (78) عدداً فقط .
([viii])  برو ، المصدر السابق ، ص 304 .
([ix])  داغر ، المصدر السابق ، ص 55 .
([x])  تنص المادة (35) من الدستور على حق السـلطان في حل مجلس المبعوثان ،
  وقد عدّل الأتحاديون هذه المادة في 8 آب 1909 بأن قيّدوا ذلك بموافقة مجلس
  الأعيان ، وعندما أرادوا إرجاعها كالسابق كمقدمة لحل مجلس المبعوثان واجهوا
  معارضة قوية عند عرض مشروع التعديل والعودة إلى نص المادة الأصلي .
  ولكن الأتحاديين قالوا بعد ذلك أنّ مجلس المبعوثان رفض التعديل مرتين فوجب
  حل المجلس ، فوافق مجلس الأعيان على الحل ، ولم يعارضه سوى أربعة
  أصوات . أنظر عن ذلك : م . ض . أتحاد وترقي جمعيتنك فيرابلد اقلري ،
  تاريخ مأتـم ( اسـتانبول ، 1328 ) ، ص 12 ؛ بـرو المصدر السابق ،
  ص ص 372 ـ 374 ؛ جريدة العرب ، 17 شباط 1919 .
([xi])  جريدة النجاح ، 6 ربيع الأول 1330 ( 24 شباط 1912 ) .
([xii])  جريدة النجاح ، 11 شباط 1328 ( 24 شباط 1912 ) .
([xiii])  جريدة النجاح ، 6 ربيع الأول 1330 ( 24 شباط 1912 ) .
([xiv])  جريدة نينوى ، 28 كانون الثاني 1327 ( 10 شباط 1912 ) .
([xv])  جريدة نينوى ، 10 مارت 1328 ( 23 آذار 1912 ) .
([xvi])  جريدة النجاح ، 6 ربيع الأول 1330 ( 24 شباط 1912 ) .
([xvii])  جريدة النجاح ، 24 جمادي الأول 1331 ( 11 آيار 1912 ) .
([xviii])  جريدة نينوى ، جمادي الآخرة 1330 ( 22 آيار 1912 ) .
([xix])  جريدة نينوى ، 21 نيسان 1328 ( 4 آيار 1912 ) .
([xx])  جريدة النجاح ، 17 جمادي الأول 1330 ( 4 آيار 1912 ) .
([xxi])  جريدة صدى بابل ، 17 آيار 1912 .
([xxii])  ليس ثمة احصائيات دقيقة لسكان ولاية الموصل ، ولكن المذكرة التركية المقدمة
  إلى مؤتمر لوزان في 5 أيلول 1924 قدّرت عدد نفوس ولاية الموصل بنحو
  (503000) نسمة ، ولا يتضمن هذا الرقم العشائر المتنقلة من كرد وعرب
  والبالغ عددهم نحو (170000) نسمة . ولم تبين المذكرة الوقت الذي نظّمت فيه
  هذه الإحصائيات، ومما لا شك فيه أنها لا يمكن أن تنظم إلاّ قبل الحرب العالمية
  الأولى بعـدة سنوات . ويتوزع سـكان الولاية ـ بموجب هذه الإحصائية ـ
  كما يلـي :

اللــواء
أكــراد
أتــراك
عـرب
يزيديـة
غيــر مسلمين
المجموع
السليمانية
62830
32960
7210
ــــ
ــــ
103000
كركـوك
97000
79000
8000
ــــ
ــــ
18400
الموصـل
104000
3500
28000
18000
31000
216000
المجموع
263830
146960
43210
18000
31000
503000

      أنظر : المركز الوطني لحفظ الوثائق ، ملفات البلاط الملكي ، ملفة تركيا وقضية الموصل والحدود رقم ة / 4 / 1 ، مذكرة الحكومة التركية بخصوص الحدود بين تركيا والعراق ، أنقرا في 5 أيلول 1924 من الآن فصاعداً يشار إلى المركز الوطني لحفظ الوثائق بالرمز  م . ح . و .
([xxiii])  جريدة صدى بابل ، 3 آذار 1912 ، جريدة العرب ، 17 شباط 1919 .
([xxiv])  نشـرت جريدة نينوى في عددهـا الصادر في 11 شـباط 1327 ( 24 شباط
  1912 ) كلمة جاء فيها : " ولقرب المباشرة بانتخاب عضو للمبعوثان الجديد
  أخذ كثيرون يرشحون أنفسهم ، لكن الأمل أن السليمانية تتوفق في هـذه الدفعة
  إلى وجدان نائب عنها تفتخر به ويرجى لها من وراءه النفـع . وأما المرشحون
  الذين تتداولهم الألسن فهم : الحاج سعيد أغا أحد أشراف البلدة ، وتوفيق أفندي
  المحاسبه جي ، وسليمان بك قائممقام بانه .
([xxv])  مجلة لغة العرب ، ج 2 ، 1 آيار 1912 .
 (193)  Bernard Lewes , Emergance of Modern Turkey , ( London ,
   1961 ) , P . 218 .
 
 (194)  Ibin . 
         جريـدة صـدى بابل ، 9 آب 1912 ؛ جريـدة لغـة العـرب ، ج 17 ،
  22 شباط 1919 .
([xxviii])  تقوم الطورانية على تمجيـد القومية التركيـة والتركيـز على قرابـة الأتراك
  العثمانيين مع أخوانهم الطورانيين في آسيا الصغرى . أنظر :
Antonius , op . ciut . , P . 106 .
([xxix]استندت الحركة الطورانية إلى سياسة التتريك ، وكان لسياسة التتريك وللحركة
  الطورانية فلاسفتها منهم يوسف آق چورة اوغلي ، ومن آرائه في هذا الصدد
  قوله : " إنّ الذين يرتبطون مع الأتراك بالدين فقط وليس بالعرق ، إلاّ أنهم قد
  امتزجوا مع الأترالك إلى درجة معينة ، يسهل صهرهم في المجتمع التركي .
  أما الذين لم يتولد لديهم شعور قومي فيمكن تتريكهم ... " راجع كتاب : اوج
  طرز سياست ، ( استانبول ، 1327 ) ، ص 28 .